19/05/2026
التفّت العائلة حول الجد في أمسية دافئة، وكان الشوق إلى مكة يملأ القلوب. تنهد الابن الأكبر يوسف وقال: "لقد عزمت على الحج هذا العام، وسآخذ معي ابني الصغير ليتعلم، لكن أختي فاطمة تريد اللحاق بي رغم سفر زوجها وغياب المحرم، وأنت يا أبي شيخ كبير ينهكك السفر؛ فهل الحج واجب علينا جميعاً؟"
ابتسم الجد بحكمة، مستنداً إلى عكازه، وقال: "يا بني، لقد جعل الله للحج شروطاً ترفع الحرج، فلا يجب إلا على المسلم، العاقل، البالغ، الحر، والمستطيع."
سأل يوسف باهتمام: "وماذا عن طفلي الصغير؟ هل تسقط عنه الفريضة إذا حج معي؟"
أجابه الجد: "الطفل مرفوع عنه القلم حتى يبلغ، ولو حج فحجه صحيح وتؤجر أنت عليه؛ فقد رفعت امرأة صبياً للنبي صلى الله عليه وسلم تسأله ألهذا حج، فقال: (نعم ولك أجر). لكن هذا لا يكفيه عن حجة الإسلام إذا كبر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أيما صبيٍّ حج ثم بلغ، فعليه حجة أخرى)."
تدخلت فاطمة بخفوت: "وماذا عني يا أبي؟ طريقي آمن وأنا أملك المال."
نظر إليها الجد بعطف موضحاً: "الاستطاعة يا ابنتي تعني زاداً، وراحلة، وطريقاً آمناً، وبدناً معافى. وأنا شيخ مريض لا أتحمل مشاق السفر، والله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. أما استطاعتكِ أنتِ فلا تكتمل إلا بوجود المَحْرم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر... إلا ومعها ذو محرم منها). فإذا حججتِ بدون محرم فحجك صحيح، ولكنك تكونين آثمة."
سكنت القلوب بعد هذا البيان، وعلم كل واحد منهم مراد الله فيه، فاطمأنت النفوس لحكمته البالغة ورأفته بعباده.