28/04/2026
ختام حلقات سوسيولوجيا الجماعات الترابية
تقدم هذه الحلقات قراءة سوسيولوجية للحكامة الترابية انطلاقاً من الأطروحة المركزية لكتاب "سلطة التفاصيل في حكامة الجماعات الترابية بالمغرب: الإنسان، المنهج، والأثر المواطن"، وهي أن الجماعة الترابية لا ينبغي أن تُفهم فقط باعتبارها مؤسسة إدارية أو إطاراً قانونياً لتدبير الاختصاصات، بل باعتبارها فضاءً اجتماعياً حياً، تتفاعل داخله المصالح، والتمثلات، وشبكات النفوذ، والتوترات، والانتظارات اليومية للمواطنين. ومن هذا المنطلق، فإن السوسيولوجيا الترابية تكشف أن نجاح الحكامة لا يتوقف فقط على جودة النصوص أو وفرة الميزانيات، بل على كيفية تجسد السياسات العمومية في الحياة اليومية للناس.
ينطلق الكتاب من فكرة أن التفاصيل الصغيرة هي التي تكشف ضرورة توخي الدقة في إعداد السياسات العمومية أولا من خلال استحضار البعد التنفيذي والأثر المواطن اعتمادا على الإنسان الذي سيتولى التنفيذ، ثم جدية الفعل العمومي: طريقة استقبال المواطن، وضوح المعلومة، احترام المواعيد، تتبع الشكايات، الإشراك، وشفافية القرار. هذه التفاصيل ليست هامشية، بل هي مؤشرات اجتماعية عميقة على أنسنة تنفيذ السياسات العمومية، وطبيعة العلاقة بين المؤسسة والمواطن. فهي إما أن تبني الفعالية، والثقة والاحترام والانتماء، أو تُعمق عدم الوصول إلى نتائج، وبالتالي تعميم الإحباط والريبة والشعور بالتهميش. لذلك، فإن الحكامة الترابية ليست مجرد مساطر، بل علاقة اجتماعية يومية تُنتج معنى سياسياً وأخلاقياً لدى المواطن.
ومن أهم ما تطرحه الورقة فكرة العقد الاجتماعي الترابي، باعتباره اتفاقاً محلياً جديداً بين المنتخبين، والإدارة، والمجتمع المدني، والمواطنين حول الحقوق والواجبات، والأولويات، والموارد، والنتائج المنتظرة. هذا العقد لا يعني وثيقة شكلية، بل ثقافة جديدة تقوم على الوضوح، والمحاسبة، والإنصات، وتقاسم المسؤولية. المواطن لا يمكن أن يبقى مجرد طالب خدمة، كما أن الرئيس أو المنتخب لا ينبغي أن يتحول إلى وسيط انتخابي أو موزع للامتيازات. المطلوب هو الانتقال من علاقة قائمة على الشك والانتظارات الفردية إلى علاقة قائمة على المصلحة العامة والثقة المتبادلة.
في هذا السياق، تبرز الديمقراطية التشاركية ليس فقط كآلية دستورية أو قانونية، بل كمشروع مجتمعي لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على المستوى المحلي. إن المشاركة الحقيقية لا تعني فقط تنظيم لقاءات أو فتح باب الاستشارة، بل تعني إشراك الأفراد والجماعات في صناعة القرار، وتحديد الأولويات، وتتبع التنفيذ، وتقييم الأثر. وهي لا تتحقق إلا إذا توفرت المعلومة، واحترمت كرامة المواطن، وتم توثيق المقترحات، وإخبار الساكنة بما تم اعتماده أو رفضه ولماذا. هنا تتحول المشاركة من طقس شكلي إلى أداة لإنتاج الشرعية والثقة.، وأهم موضوع يجب أن تكون فيه المشاركة هي الميزانية ومعها طبعا البرنامج التنموي.
وتؤكد الحلقات أن الديمقراطية التشاركية يجب أن تكون إدماجية، أي أن لا تظل حكراً على النخب المحلية أو الجمعيات القريبة من القرار، بل أن تبحث عن الأصوات الصامتة: النساء، الشباب، سكان الهوامش، الأشخاص في وضعية إعاقة، والفئات التي لا تشارك لأنها فقدت الثقة في جدوى المشاركة. لذلك، فإن المشاركة ليست فقط حقاً، بل سياسة نشطة لإدماج من لا يصل صوتهم عادة إلى دوائر القرار.
أما من حيث المرجعيات، فقد استند الكتاب إلى عدد من الأسماء السوسيولوجية والفكرية، من بينها بول باسكون لفهم المجتمع المغربي في عمقه الترابي، ومحمد الطوزي وعبد الله حمودي في تحليل السلطة والعلاقات الاجتماعية والرمزية داخل المجال المحلي، إلى جانب مرجعيات دولية مثل هنري لوفيفر، وبيير بورديو، وميشيل فوكو، وميشيل كروزييه، وإلينور أوستروم. وتلتقي هذه المرجعيات حول فكرة أساسية: التراب ليس مجرد مساحة جغرافية، بل فضاء اجتماعي تُنتج فيه السلطة، والثقة، والشرعية، والتفاوتات.
وخلاصة القول إن السوسيولوجيا الترابية، كما يقدمها الكتاب، تدعو إلى تحويل الجماعات الترابية من مؤسسات تدبر الملفات إلى فضاءات تبني الثقة، ومن ديمقراطية انتخابية محدودة إلى ديمقراطية تشاركية يومية، ومن وعود عامة إلى أثر ملموس في حياة المواطن.