16/06/2026
بسم الله الذي جعل من الظلمة نوراً، ومن الضيق سعةَ، ومن الغار مدداَ لا ينقطع حتى يرث الله الأرض ومن عليها، والحمد لله الذي {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ}، و{هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} و{نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}، {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}، الذي {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}. والصلاة والسلام على مَن كان وصاحبه في الغار فكان الله ثالثهما، نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
في مطلع هذا العام الهجري المبارك 1448 هـ، نقف على عتبة التاريخ لحظة، وتتأمل كيف بدأ المسير، هناك في شِعب جبل ثور، حيث انطوى المكان على نفسه في غارٍ ضيق، وحاصر العدوُّ المداخلَ بسيوف حقد الكفر، كان المشهد الأعظم يُنسَج بخيوط الوهن التي إذا انتسبت إلى الله عز وجل صارت أمتنَّ من الجبال، هنا نزل الوحي يسجِّل الخلود: {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} [ 40 التوبة ].
وحين همس الصديق رضي الله عنه وجلاً: «لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا»، خرج الجواب النبوي كالطود الراسخ: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا»، فتأملوا عظمة هذا الثالث الذي كان معهما! إنه الذي {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}، ومع ذلك ملأ الغار حضوراً لا يُرى، إنه {أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}، أقرب إلى قلب الصديق من وجله، وأقرب إلى قلب الحبيب من يقينه، ينسج بالغيب شباك عنكبوت ويهمس للحمامة: كُن، فتضع بيضة السلام. إنه {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}، يريد أن تخرج أمة من صخرة، وأن يُبسط دينه من شقّ جبل إلى ما وراء البحار، فإذا أراد شيئًا {قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}، فكانت الأمة، وكان الامتداد، وكان أصوات الآذان تُرفع في أقاصي الدنيا على مدار الساعات دون انقطاع لأن ربَّ الأكوان أراد.
من تلك الحفرة المظلمة التي أشرفت على نهاية كل أمل، تفجَّر ينبوعُ النور، شباكُ العنكبوت كان سِجلَّ العبور، وبيضة الحمامة كانت وعدَ الحياة الذي لا يموت، ومن هذا الغار لم تخرج جيوشٌ، بل خرجت رحمةُ ونورُ أعادت صياغة الكون، اقرؤوا التاريخ على اتساعه: أينما سرتم في شرق الصين، بين جبال الأويغور وأسواق كاشغر، ستسمعون صوت أذان يُرفع بحرف القرآن، وفي جزر إندونيسيا البعيدة، حيث تتعانق مياه المحيطين الهندي والهادئ، يتراقص النخيل على أنغام «لا إله إلا الله». اتجهوا غرباً، ففي جنوب فرنسا، بقرب شواطئ المتوسط، بقيت شواهد الأندلس تهمس بالتوحيد من شقوق الحجارة، وامتد النور فوق جبال البرانس ليوقظ أرواحاً تبحث عن خالقها، وفي شمال وأواسط آسيا، وفي سهول هنغاريا الخضراء، حيث اختلط ركض الخيل بصهيل المجد، ثمّة قبابٌ ومآذنُ ما زالت تشهد أن الإسلام مرَّ من هنا كالنهر العذب يسقي كل ظامئ، ثم انزلوا إلى قلب أدغال إفريقيا، حيث الأنهار العاتية والغابات الملتفة، لتجدوا قبائل كاملة دخلت في دين الله أفواجاً، وجعلت من القرآن نبضاً يجري في عروق الأشجار، ثم ماذا بعد هذا كله؟ ثم جزرٌ وبحارٌ لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، في أقاصي الدنيا التي لم تطأها قدمٌ، هناك قلوب تخفق بذكر الله، ومساجد من سعف النخيل تسجد تحت السماء، شاهدةً أن كلمة الله العليا بلغت ما لم تبلغه كل إمبراطوريات الأرض.
إنها النقلة الكبرى: من غارٍ ضيَّق على رجلين، إلى كونٍ رحب يتسع للموحدين، من خيط عنكبوت هشٍّ إلى أمةٍ نسجت خيوط الحضارة عبر القارات، من بيضة حمامة على عتبة الصخر إلى ملايين القلوب التي فُقست فيها رحمةُ العالمين، عامٌ هجريٌّ جديد يذكّرنا أن البداية لم تكن سهلة، وأن الله {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}، يغرس في كل عام معنى {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}، في كل وجهٍ يواجه الشدائد، فلنستقبل هذا العام بيقين الصديق حين سمع: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}، ولنوقن أن معية الله التي لا تدركها الأبصار، هي التي تصنع لأمتنا فجراً بعد ليل، وتفتح من المغالق أبواباً، وتحوّل شباك العنكبوت الواهن إلى ستار من نور، وبيضة الحمامة إلى جناحين يظلان العالم، متى قال لها: {كُن فَيَكُونُ}.
كل عام وأنتم بالله واثقون، وفي رحاب الهجرة متأملون، ولأسرار قوله تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} من الذاكرين الشاكرين، والحمد لله رب العالمين.