13/04/2026
للأسف مضطر لكتابة منشور شديد اللهجة وخالٍ تماماً من الدبلوماسية، وذلك لخطورة الموضوع، مع ملاحظة أنه ليست هناك أي إساءة شخصية لأي أحد. وليعلم القارئ الكريم أن هذا الكلام شديد على نفسي بل قد يكون أشد عليّ منه عليه، ولكن الكلمة أمانة يجب أن تؤدى حتى لو آلمتنا
في سياق كلامنا عن ما يسمى بالاكتئاب...
أتعرفون معنى أن ينتحر إنسان؟
معناه أن يُنهي حياته، ويترك وراءه أسرة في صدمة وحزن لا ينقطعان، كلما تذكروا كيف انتهت حياته، بل كيف أنهاها، كلما تجدد -تلقائياً- الكرب
أتعرفون معنى أن ينتحر إنسان؟
معناه أنه مات على كبيرة من أكبر الكبائر، وهي خاتمة سوء -والعياذ بالله- يخلد بسببها في النار، أي أنه يمكث فيها طويلاً طويلاً إلى أن يشاء الله
أتعرفون معنى أن ينتحر إنسان؟
معناه أنه فرّ من عذاب في الدنيا ليقع في عذاب أعظم منه بما لا يحصى في القبر، ثم في الآخرة، كما أخبرنا النبي ﷺ
هذا معنى أن ينتحر إنسان! معنى شديد جداً، ترتعد منه النفس حتى إنها لتحاول الفرار من مجرد تخيل الفكرة، أنا شخصياً لا أطيق تخيلها، أليس كذلك؟
والآن، في زمن الشبكات الاجتماعية تنتشر الأخبار والمقالات انتشار النار في الهشيم، خصوصاً ما داعب العاطفة بشكل أو بآخر، ومن هذا منشورات "المنتحرين"، وهي كارثة في ذاتها! ربما لم تزدد معدلات الانتحار شيئاً ذا قيمة إحصائياً، لكن انتشار الأخبار يوهم بزيادة شيوع الأمر. أتدرون ما الكارثة في هذا؟ أن كلما شعر المرء بانتشار مصيبة كلما هانت على نفسه! لهذا ليس من نهج المصلحين نشر أخبار الأخطاء ولا المعاصي ولا الكوارث، لما فيه من تهوين للوقوع فيها، وهذا معروف عند المتخصصين في علم الاجتماع وعلم النفس وربما تكلمتُ عنه تفصيلاً لاحقاً
طيب هنا الكارثة: تخيل عندما تجتمع إلى مشكلة نشر أخبار المنتحرين تهميش حقيقة الانتحار ووضعه في إطار أنه "ضعف إنساني"، وأنه "مريض اكتئاب ليس بيده شيء" إلى آخره، ماذا سيحدث؟؟ الذي سيحدث أنه سيسقط حاجزاً آخر أمام الوقوع في هذه الكارثة، بل الكبيرة؛ قتل النفس!
قرأتُ منشوراً لأحد مدعي التخصص يضرب مثالاً للضعف الإنساني "بالطبيب النفسي المنتحر"، وبدون مواربة هذا كلام غير مسؤول! والواجب على المتصدر الذي يستمع إليه الناس ويثقون في رأيه أن يقودهم لما فيه مصلحتهم، ومن هذا أن يرفع الحواجز بينهم وبين ما قد يقعون فيه من مصائب كالانتحار، وذلك بوضعه في إطاره الصحيح دينياً ودنيوياً، لا أن يُسهم في إسقاط هذه الحواجز بتأطيره "كضعف إنساني" يستدر به التعاطف!
ليس في كلامي عدم الشفقة لما وقع فيه المنتحر، لكن يجب أن يعلم المرء أنه دائماً صاحب قرار واختيار، المنتحر اختار أن يفر من ألمه النفسي أو العضوي بإنهاء حياته، بإنهائها بكبيرة من أكبر الكبائر توعد رسول الله ﷺ فاعلها بأن يقتل نفسه بنفس القتلة في النار خالداً فيها، كما في الحديث الصحيح: "مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدا فِيهَا أَبَدا. وَمَنْ شَرِبَ سَمّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدا مُخَلَّدا فِيهَا أَبَدا. وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدا مُخَلَّدا فِيهَا أَبَدا" رواه مسلم
نعم، الكلام مؤلم جداً أنا أعرف، وأنا والله ينفطر قلبي كلما سمعت عن من وقع في هذه المصيبة، لكننا لن نكون أرحم بالخلق من سيد الخلق ﷺ الذي أخبرنا بهذه الحقيقة ترهيباً لنا من الفرار من آلامنا في الدنيا بهذه الوسيلة المحرمة
اسمع معي لهذه القصة المرعبة: أخرج الإمام مسلم -رحمه الله- في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قَالَ : شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُنَيْنًا، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالإِسْلَامِ: هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّار، فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ، قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفًا: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِلَى النَّارِ ، فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ قِيلَ إِنَّهُ: لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ. انتهى. فهذا رجل جاهد في سبيل الله مع رسول الله ﷺ، ولكنه لم يصبر على ما أصابه من ألم نتيجة لجراحِه، فاختار أن يُنهي حياته بنفسه، فقال ﷺ لنا إنه في النار!
وحتى لا يكون كلاماً من فراغ، كثيراً جداً ما تأتيني أسئلة عن الانتحار! وكثيراً ما تشير إلى شيوع الظاهرة (في تصورهم) حتى إن الأفكار لتراودهم، يجب أن يعلم المرء أن الإنسان في هذه الدنيا مُبتلى، والحياة ليست بالضرورة حديقة مليئة بالورود، بل فيها الأشواك والثعابين كما أن فيها الورود والفراشات، ومن الناس من نصيبه منها الشوك حتى تقضي عليه عضة ثعبان، لكنه في الآخرة موعود بجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت إن صبر ومات على الإيمان
الإنسان دائماً صاحب اختيار مهما كان حاله، والمرء في هذه الدنيا قد يختار بين خيارين أحلاهما مُرّ، لكنه يفعل ذلك استجابة لأمر الله، لعلمه أنه بصبره على هذا المر سينال حلاوة الآخرة بإذن الله. نحن نسأل الله أن يرفع البلاء عن كل مصابينا وأن يعافي كل مريض من مرضانا، وأن يفرغ صبراً على كل صاحب ابتلاء، وأن يثبهم جميعاً في الجنة بما صبروا. وليس معنى كلامي أن لا يطلب الناس أسباب تخفيف المعاناة وعلاجها، فبالطبع ينبغي أن يفعلوا، لكن يبقى لكل امرئ منا نصيبه من الابتلاء، من الشوك وعضات الأفاعي، والنعيم المطلق في الجنة إن شاء الله
رجاءً أيها القارئ الكريم، انشر هذا المنشور، والمنشورات التي تكلمنا فيها سابقاً وسنتكلم فيها لاحقاً عن الاكتئاب، لعل الله ينقذ بك روحاً أوشكت على القنوط من كثرة آلام الدنيا وابتلائاتها، وحقوق النشر مفتوحة